فخر الدين الرازي

278

المطالب العالية من العلم الإلهي

--> الإنسان أن يدين نفسه بالحق كما نعرفه . إن لم يكن في الكون « قسطاس للحق » يغرس في نفسه هذا الوجوب ؟ ومن أين تقرر في طبع الإنسان : أن الواجب الكريه لديه ، أولى به من إطاعة الهوى المحبب إليه ، وإن لم يطلع أحد على دخيلة سره ؟ ( ب ) ويذكر الآية القرآنية : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء 22 ] ويقول : لن يقوم على ثبوت الوحدانية برهان أقوى من هذا البرهان . وهو برهان التمانع ، كما يسميه المتكلمون . وأحسن من يشرحه هكذا . لا يخلو إما أن يكون قدرة كل واحد منهما وإرادته كافية في وجود العالم ، أو لا شيء منهما كاف ، أو أحدهما كاف فقط . وعلى الأول يلزم اجتماع المؤثرين التامين على معلول واحد . وهو محال . وعلى الثاني يلزم عجزهما ، لأنهما لا يمكن لهما التأثير إلا باشتراك الآخر . وعلى الثالث ألا يكون الآخر خالقا ، فلا يكون إلها . وصواب الأمر : إن وجود إلهين سرمديين مستحيل . وإن بلوغ الكمال المطلق في صفة من الصفات يمنع بلوغ كمال مطلق آخر في تلك الصفة . وأن « الاثنينية » لا تتحقق في موجدين كلاهما بلا بداية ولا نهاية ولا حدود ولا فروق . وكلاهما يريد ما يريده الآخر ، ويقدر ما يقدره ، ويعمل ما يعمله في كل حال ، وفي كل صغير وكبير . فهذان وجود واحد وليسا بوجودين . فإذا كانا اثنين لم يكونا إلا متمايزين متغايرين . فلا ينتظم على هذا التمايز والتغاير نظام واحد . وإذا كانا هما كاملين . فالمخلوقات ناقصة ، ولا يكون تدبير المخلوق الناقص على وجه واحد ، بل على وجوه .